الخميس، 9 يناير 2014

المطارد ... قصة بقلم : ياسر الششتاوي



المطارد
أحاطوا بي كخيوط العنكبوت الملتفة حول الفريسة، أو كدائرة سامة ، عيونهم كأنها آتية من جهنم الحمراء ، في كل نظرة سهم ، يعرى الأعماق ، ويكشف عن توجهاتهم الطاعنة في الإجرام ، تقدم أحدهم نحوي ، فارتعدت فرائسي ، ولم أنطق بكلمة ، سوى نظرات الطاعة التي أسكبها من عيني له ، مضى بي ـ وخلفنا بعضهم ـ في شوارع متعرجة ، وفي الأراضي الزراعية ، حتى وصلنا إلى فيلا المعلم ، كأنها قطعة من الجنة بما تحتوى من تحف ، وجمال تصميم ، وديكور رائع ، إلا أن هذا المكان الجميل ، يحتوي في داخله أخبث الناس وأقبحهم ،ولكنني لا أستطيع أن أبوح بذلك  .
قال لي المعلم في لهجة آمرة : ستعمل معنا ، وسوف تنهال عليك الأموال ، وإن لم توافق ، فقبرك موجود .
فقلت له محاولاً أن أخرج الكلام الذي أشعر بأنه جبل على لساني : ولكنهم سوف يقتلونني لو عرفوا أنني أعمل معكم ، بل ربما لو أبصرني أحدهم وأنا قادم إلى هنا .
ضحك المعلم :إذن ستموت هنا ، ثم وقف من على الكرسي الفخم مجلجلاً : نحن نحمي رجالنا.
تذكرت في الحال بعض الذين ماتوا ، وهم يعملون معه ، صحيح أنه يرعى أولادهم أسرهم ،ولكن ما فائدة ذلك بعد أموت ، عندما أموت لن أعرف أحد ، كما أن الناس سوف ينسونني بعد عدة سنوات ،وإن لم يكن بعد عدة أيام، بالإضافة أنني أعيش مقطوعاً من شجرة ، ليس معي سوى كلبي ، فحاولت أن أرضي المعلم ،لأخرج سالماً ، فقلت كمن حزم أمره :سأكون معكم يا معلم
نظر لي بعين خبيرة : إياك أن يخالف لسانك فعلك
ـ هذا من طبع المنافق يا معلم ، والمنافق ليس أنا
ـ سنرى
خرجت من الفيلا ،وأنا لا أصدق أنني نجوت بحياتي ، وكلما أمشي مسافة ليست بالكبيرة ، أنظر خلفي ، والخوف يحاصر قلبي ، كيف سأخرج من تلك الورطة ؟! كيف سأنجو ؟ هنا موت وهناك موت ، لابد أن أفعل شيئاً ، قبل أن أفرم إما من هذا أو ذاك .
قررت أن أترك البلدة ، وقبل الفجر بساعة ، أخذت ما خف حمله ،وثقلت أهميته ، ومضيت بكلبي من الطريق الزراعي ، ربما يحتضنني الهرب ، ويسبغ عليّ ستره.
رحت أنتهب الطريق نهباً ، ربما أنجو ... ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ...إنني أسمع خشخشة العشب تحت أقدامهم المسرعة ، كأنهم خلفي ،وهذا ما أكده كلبي ، بالوقوف والنظر للخلف ، فرحت كالمذعور ، أجرى بأقصى طاقة وكذلك كلبي ،خاصة عندما بدأ إطلاق الرصاص خلفنا ، فأصابت قدمه ، ورأيت في عينية نظرة استغاثة ، ولكن لم يكن هذا وقت الرحمة ، تركته ومضيت ، وقلبي يبكي عليه ،ولكنني نجحت في التخفي تحت كومة من أعواد الذرة الناشفة ، حتى مضوا ، لقد كاد حصان من أحصنتهم أن يدوس رأسي المخبأة ، ورحت أنتقل من بلد إلى بلد ،وأنا أشعر بنصف أمان ، حتى رست أقدامي في القاهرة حيث الزحام الكاسح الذي يمكن أن أختفي به ،وأشعر بالأمان الكامل ،ولكنني كلما أجلس مع نفسي أتذكر أرضي وبيتي الذي تركته مقابل نجاتي من هؤلاء الأوغاد فيصيبني بعض الحزن والشجن ، رحت أعمل في وكالة لبيع الفاكهة ، وعزمت أن أكمل حياتي هنا في القاهرة ، وأن أنسى كل ما يربطني بالصعيد ،وأن أفتح صفحة جديدة مع الحياة ، ومما ساعدني على ذلك أنني أحببت فتاة ، تقوم هي وأمها ببيع الفاكهة ، واتفقت معها على الخطوبة .
وفي الصباح أوقفني صاحب القهوة التي أجلس عليها دائما ، فصاحب هذه القهوة هو الذي يعرف قصتي الحقيقية ، كما أنه يملك العمارة التي أسكن فيها حيث أقيم  في حجرة فوق السطوح ، ولم يأخذ مني أجرة السكن حتى الآن .
قال لي في لهجة حانية محذرة : لقد أتى جماعة من الصعيد ،وسألوا عنك ، فقلت لهم :إنه قد رحل من هنا ، ثم سألوني :ألا تعرف إلى أين ، فأجبتهم بالنفي
وما كاد ينطق كلماته حتى شعرت ،وكأن الأرض تدور بي ، فرجعت مسرعاً ،وأخذت أشيائي ثم رحلت نحو الدلتا ، وعلى شاطئ بلطيم ، رحت أبيع الذرة المشوي ، وكل يوم أنظر إلى البحر ،وأتمنى أن أعبره إلى مكان ، لايعرفه من يطاردونني ، فلقد عزمت فعلاً إن أسافر خارج مصر ،وأعد أوراقي لهذا الأمر
في قرية قريبة من مصيف بلطيم ، أسكن في بيت متواضع ، وقد ربيت كلباً صغيراً ينبهني وأنا نائم ، ولكن أخشى أن يكون مصيره كمصير الكلب الأول ، وفعلاً صدق ما توقعته فقد قتلوا الكلب ، ودخلوا علىّ حجرة نومي ،قبل أن أصرخ أو أنادي ، وضعوا المخدر على أنفي ، فرحت في عالم آخر ، ثم مضوا بي إلى الصعيد ، وفي السيارة رحت تدور بي الأفكار ، ماذا سيفعلون بي ؟ لماذا لم يقتلونني في الحال لو كانوا ينوون قتلي ؟ هل ينوون تعذيبي أولاً ؟ وفي غمرة الأفكار والسيارة تشق الطريق كالريح ، إذا بها تصطدم بسيارة أخرى ،وإذ بنا ننقل جميعا إلى المستشفى ، لقد مات بعضهم ، وبعضهم في العناية المركزة ، أما أنا فقد حدثت لي تسلخات وكدمات ، وسوف أحاول الهرب قبل أن تأتي بقيتهم من الصعيد ، أو يأتي البوليس لسماع أقوالي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق