الجمعة، 31 يناير 2014

واقعتان ... قصة بقلم : ياسر الششتاوي




واقعتان
ــــــــــ
الحمد لله أني نجوت ................................................................)
يا ليتني ما نجوت ..................................................................)
بينما كنت نائماً في الميكروباص ،كعادتي في السفر الطويل ، فلقد كنا في زيارة أحد المرضى من أقاربنا، لم ألحق أن أفتح عيني ، وما رأيت شيئاً كل ما شعرت به ،هوذلك الصوت الشديد النتائج عن التصادم ، ولم أتذكره إلا وأن في المستشفي بعد أن أفقت من الغيبوبة ، فحمدت الله على أني نجوت ، رغم الكسور في قدمي ويدي وحوضي ، إلا أنني كنت سعيداً، لأن كل من كانوا معي في الميكروباص ، ماتوا ، فصبرت وتحملت الألم ، فما زالت أمامي فرصة في الحياة ، راح الناس يكيلون لي التهاني على نجاتي ، واتصل بي كل الأصدقاء ، ومنهم من جاء ليزورني ، ربما منهم من قد انقطعنا عن بعضنا الفترة طويلة ، فتجمعنا المناسبات السعيدة ، أو المناسبات الحزينة مثل ما أنا فيه ، عرفت في محنتي كم يحبني الناس ، فلا تعرف قيمة الناس إلا في المحن ، وكذلك بها تعرف من يحبك صادقاً ،ومن يمثل عليك
صممت أن أتجاوز محنتي ، فلست أو إنسان يصاب بكسور ، ولن أكون الأخير ، رغم أن زوجتي وأبنائي يطعمونني ، كنت سعيداً بذلك ، فلقد أحسست أني رجعت طفلاً ، وهم كانوا يتنافسون في خدمتي ، وأحسست أن الله يحبني بأن رزقني تلك الأسرة.
راحت أتماثل للشفاء سريعاً ، ربما بفعل حالتي النفسية ،ومعنوياتي المرتفعة ، وبدأت أخطو خطواتي الأولي في الشقة ، وكأنني طفل يحبو على عكازه.
كل يوم أتحسن عما قبله ، وتصبح عضلاتي أقوى ، حتى تخليت العكاز ، وأصبح من الماضي ، ولكنني لم أتخلى عنه تماماً ، فلقد وضعته تحت السرير ربما يحتاجه أحد غيري ، فأنال فيه ثواباً
الحر يشتد في الصيف ،وانقطاع المياه وارد في حارتنا الشعبية ، مما يزيد الأمر صعوبة وضيقًا أننا نستخدم موتور المياه لرفع المياه في الدور الخامس الذي نسكن به
وذات مرة أردت أن أستحم ، فرحت أدير الموتور ، فلم يعمل ، فكان هذا أول نزول لي من الشقة لأرى الموتور ،وما به من عطل ، وفي أثناء نزولي ، وفي الدور الثالث ،انزلقت قدمي ، فوقعت متدحرجاً من على السلم ، فتكسرت كل عظامي التي كادت أن تلتئم مرة أخرى ، فكان الأمر أشد وأنكي ، وطالت فترة علاجي ، وأصيبت بقرحة في المعدة من كثرة العلاج ، ولم تعد أسرتي كما كانت في المرة الأولى ، بل بدا من بعضهم بعض التبرم مني ، فتمنيت لو أنني لم أكن قد نجوت من الحادث ، وقلت لي : يا ليتني ما نجوت ، بل كثيرا ما تدمع عيني ، وتعز عليّ نفسي ، فما أصعب أن تكون أسير المريض ، لا أنت ميت ولا حي ، وكل ما أبحث عنه الآن جرعات من الصبر ، وليس جرعات من العلاج.

الأحد، 19 يناير 2014

متصل .. قصة بقلم : ياسر الششتاوي



متصل
كان يحبها ويطمع أن يتزوجها ، ولكنها فضلت شخص آخر عليه ، فشعر بالكره نحوها ،وقرر أن يفسد حياتها ،وأن ينتقم منها ، مهما طال الأمد ، وما هي إلا عدة شهور ، حتى اتصل بزوجها ، وأخبره أن زوجته تحب شخص غيره ، فلم يصدق ما قاله ذلك الشخص إلا أنه راح يحاذر من زوجته ،ويسأل عن أشياء ما كان يسأل عليها من قبل ، وبدأ بصيص من الشك يساوره ، رغم أنه راح يقاوم هذا البصيص المتسلل إلى نفسه ، بما يرى من زوجته من حب جارف ، ولكنه لم يتركه يهزم هذا البصيص ، فراح يتصل به مرة أخرى ، ويؤكد أن لديه خطابات ورسائل لزوجته أرسلتها لحبيبها الحقيقي ، وسوف تصل إليه في الوقت المناسب ، فراح الشك يزيد ويقوي ،ولم يعد بصيصاً ،وراح يفسر بعض كلمات زوجته في مدح أحد الأشخاص على غير ما تحمل الكلمات ، وشعر بغصة نحوها ، وراح ينفعل عليها لأول مرة ، وعندما رآها تتكلم في المحمول ذات مرة هجم عليها مسرعاً ،وأخذ المحمول من يدها فإذا بها تتكلم مع أخيها ، فأعتذر لها ، ولكنه لم يعتذر للشك
وفي اليوم التالي ،اتصل به ،وأكد أن زوجته بمجرد خروجه إلى تستقبل حبيبها ، فذهب مسرعاً إلى بيته ، فوجد زوجته ما زالت نائمة ، فسألته : لماذا رجعت من العمل ؟ فرد متأففاً : لقد نسيت بعض الأوراق . وعندما خرج من المنزل ،اتصل به مرة أخرى ،وأكد له أن غريمه خرج قبل أن يصل بقليل ، فرد عليه شاتماً : أنت كاذب وسوف أعلمك الأدب
ـ أنا لست كاذب
ـ لم أجد أحداً ، ووجدت زوجتي نائمة
ـ أسمح أن أقول لك :إنك مغفل
ـ أنت كاذب وسوف أعلمك الأدب
ثم أغلق الخط في وجهه ، وصمم أن يطرد الشك من قلبه ،وأن هذا الشخص يريد خراب بيته .
وبينما هو في عمله بعد عدة أيام اتصل به مرة أخرى ، وكان قد حدثت بينه وبين زوجته بعض المنغصات العادية التي يمكن أن تحدث بين أي زوجين ،وأقسم له بكل يمين أن زوجته تخونه الآن مع عشيقها ، فراح الشك يطفو مرة أخرى مع أنه قرر ألا ينساق له ، وبرغم علمه البين أن هذا الشخص لا يرجو له خيراً ، لم يستطع الجلوس على مكتبه وأداء عمله ،وأصبح لا يرى أمامه ، فرغم أنه امتحن ثقته في زوجته ، إلا أن كلمات هذا المتصل ما زالت تنخر في أعصابه ، وانتصر الشك عليه فخرج متردداً بين الإقدام والإحجام ، ثم انتصر عليه الشك مرة أخرى فأسرع نحو المنزل ، وقبل أن يفتح الباب سمع آهات زوجته ، فظن أن الخيانة في أوجها ، وحينئذ دفع الباب بكل قوة فوجد زوجته ، تمسك قدمها بيديها ، فقد وقعت من على الكرسي وهي تحضر بعض الأشياء من على ظهر الدولاب ، فراحت تطلب منه أن ينقذها ،ويذهب بها إلى المستشفى في الحال ،ولكنه هم بفتح أبواب الدولاب كمن أصابه الجنون : أين أخفيت عشيقك  ؟ أين هو ؟؟
نزلت كلماته عليها كصاعقة ،وأدركت أنها خدعت في حبه الذي ضحت من أجله بالكثير ؟ وعندما تأكد له أنها لا تمثل عليه إخفاء لعشيقها ، راح كي يذهب بها إلى المستشفي ،ولكنها رفضت أن يكون هو من يذهب بها ، وراحت تصرخ بشدة حتى ينقذها أحد غيره.   

الخميس، 9 يناير 2014

المطارد ... قصة بقلم : ياسر الششتاوي



المطارد
أحاطوا بي كخيوط العنكبوت الملتفة حول الفريسة، أو كدائرة سامة ، عيونهم كأنها آتية من جهنم الحمراء ، في كل نظرة سهم ، يعرى الأعماق ، ويكشف عن توجهاتهم الطاعنة في الإجرام ، تقدم أحدهم نحوي ، فارتعدت فرائسي ، ولم أنطق بكلمة ، سوى نظرات الطاعة التي أسكبها من عيني له ، مضى بي ـ وخلفنا بعضهم ـ في شوارع متعرجة ، وفي الأراضي الزراعية ، حتى وصلنا إلى فيلا المعلم ، كأنها قطعة من الجنة بما تحتوى من تحف ، وجمال تصميم ، وديكور رائع ، إلا أن هذا المكان الجميل ، يحتوي في داخله أخبث الناس وأقبحهم ،ولكنني لا أستطيع أن أبوح بذلك  .
قال لي المعلم في لهجة آمرة : ستعمل معنا ، وسوف تنهال عليك الأموال ، وإن لم توافق ، فقبرك موجود .
فقلت له محاولاً أن أخرج الكلام الذي أشعر بأنه جبل على لساني : ولكنهم سوف يقتلونني لو عرفوا أنني أعمل معكم ، بل ربما لو أبصرني أحدهم وأنا قادم إلى هنا .
ضحك المعلم :إذن ستموت هنا ، ثم وقف من على الكرسي الفخم مجلجلاً : نحن نحمي رجالنا.
تذكرت في الحال بعض الذين ماتوا ، وهم يعملون معه ، صحيح أنه يرعى أولادهم أسرهم ،ولكن ما فائدة ذلك بعد أموت ، عندما أموت لن أعرف أحد ، كما أن الناس سوف ينسونني بعد عدة سنوات ،وإن لم يكن بعد عدة أيام، بالإضافة أنني أعيش مقطوعاً من شجرة ، ليس معي سوى كلبي ، فحاولت أن أرضي المعلم ،لأخرج سالماً ، فقلت كمن حزم أمره :سأكون معكم يا معلم
نظر لي بعين خبيرة : إياك أن يخالف لسانك فعلك
ـ هذا من طبع المنافق يا معلم ، والمنافق ليس أنا
ـ سنرى
خرجت من الفيلا ،وأنا لا أصدق أنني نجوت بحياتي ، وكلما أمشي مسافة ليست بالكبيرة ، أنظر خلفي ، والخوف يحاصر قلبي ، كيف سأخرج من تلك الورطة ؟! كيف سأنجو ؟ هنا موت وهناك موت ، لابد أن أفعل شيئاً ، قبل أن أفرم إما من هذا أو ذاك .
قررت أن أترك البلدة ، وقبل الفجر بساعة ، أخذت ما خف حمله ،وثقلت أهميته ، ومضيت بكلبي من الطريق الزراعي ، ربما يحتضنني الهرب ، ويسبغ عليّ ستره.
رحت أنتهب الطريق نهباً ، ربما أنجو ... ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ...إنني أسمع خشخشة العشب تحت أقدامهم المسرعة ، كأنهم خلفي ،وهذا ما أكده كلبي ، بالوقوف والنظر للخلف ، فرحت كالمذعور ، أجرى بأقصى طاقة وكذلك كلبي ،خاصة عندما بدأ إطلاق الرصاص خلفنا ، فأصابت قدمه ، ورأيت في عينية نظرة استغاثة ، ولكن لم يكن هذا وقت الرحمة ، تركته ومضيت ، وقلبي يبكي عليه ،ولكنني نجحت في التخفي تحت كومة من أعواد الذرة الناشفة ، حتى مضوا ، لقد كاد حصان من أحصنتهم أن يدوس رأسي المخبأة ، ورحت أنتقل من بلد إلى بلد ،وأنا أشعر بنصف أمان ، حتى رست أقدامي في القاهرة حيث الزحام الكاسح الذي يمكن أن أختفي به ،وأشعر بالأمان الكامل ،ولكنني كلما أجلس مع نفسي أتذكر أرضي وبيتي الذي تركته مقابل نجاتي من هؤلاء الأوغاد فيصيبني بعض الحزن والشجن ، رحت أعمل في وكالة لبيع الفاكهة ، وعزمت أن أكمل حياتي هنا في القاهرة ، وأن أنسى كل ما يربطني بالصعيد ،وأن أفتح صفحة جديدة مع الحياة ، ومما ساعدني على ذلك أنني أحببت فتاة ، تقوم هي وأمها ببيع الفاكهة ، واتفقت معها على الخطوبة .
وفي الصباح أوقفني صاحب القهوة التي أجلس عليها دائما ، فصاحب هذه القهوة هو الذي يعرف قصتي الحقيقية ، كما أنه يملك العمارة التي أسكن فيها حيث أقيم  في حجرة فوق السطوح ، ولم يأخذ مني أجرة السكن حتى الآن .
قال لي في لهجة حانية محذرة : لقد أتى جماعة من الصعيد ،وسألوا عنك ، فقلت لهم :إنه قد رحل من هنا ، ثم سألوني :ألا تعرف إلى أين ، فأجبتهم بالنفي
وما كاد ينطق كلماته حتى شعرت ،وكأن الأرض تدور بي ، فرجعت مسرعاً ،وأخذت أشيائي ثم رحلت نحو الدلتا ، وعلى شاطئ بلطيم ، رحت أبيع الذرة المشوي ، وكل يوم أنظر إلى البحر ،وأتمنى أن أعبره إلى مكان ، لايعرفه من يطاردونني ، فلقد عزمت فعلاً إن أسافر خارج مصر ،وأعد أوراقي لهذا الأمر
في قرية قريبة من مصيف بلطيم ، أسكن في بيت متواضع ، وقد ربيت كلباً صغيراً ينبهني وأنا نائم ، ولكن أخشى أن يكون مصيره كمصير الكلب الأول ، وفعلاً صدق ما توقعته فقد قتلوا الكلب ، ودخلوا علىّ حجرة نومي ،قبل أن أصرخ أو أنادي ، وضعوا المخدر على أنفي ، فرحت في عالم آخر ، ثم مضوا بي إلى الصعيد ، وفي السيارة رحت تدور بي الأفكار ، ماذا سيفعلون بي ؟ لماذا لم يقتلونني في الحال لو كانوا ينوون قتلي ؟ هل ينوون تعذيبي أولاً ؟ وفي غمرة الأفكار والسيارة تشق الطريق كالريح ، إذا بها تصطدم بسيارة أخرى ،وإذ بنا ننقل جميعا إلى المستشفى ، لقد مات بعضهم ، وبعضهم في العناية المركزة ، أما أنا فقد حدثت لي تسلخات وكدمات ، وسوف أحاول الهرب قبل أن تأتي بقيتهم من الصعيد ، أو يأتي البوليس لسماع أقوالي .

الأربعاء، 1 يناير 2014

موت الحاجز ..قصة بقلم : ياسر الششتاوي



أبحث عن أنثى تضئ حياتي ،وأكمل معها مسيرتي ، فكانت العديد من المحاولات ،ولكنها في النهاية باءت بالفشل ،وما زلت أبحث ...
في المترو كنت جالساً في العربة التي تجاور عربة النساء ،وإذا بي من الفاصل الزجاجي بين العربات أشاهد فتاة في منتهى الجمال ، لعلها هي التي أبحث عنها لعلها ....
لم تنسحب عيني من على وجهها الملائكي ، وصممت أن أكلمها ،وأتعرف عليها ، وفي لفتة منها ، لاحظت أنني لا ألجم عيني عن وجهها ، فراحت تبادلني النظرات بعض مرة ، كأنها أعجبت بي ، يا ليتها لا تكون مثل اللائي عرفتهن من قبل ، لا لن تكون ، كم قلت سابقاً كثيراً لا لن تكون وكانت ...كانت في البداية على أحسن ما يكون ، وفي النهاية ، كانت أسوء ما يكون ....
لن أتركها ... لن أتركها ... همت بالوقوف ، ربما ستنزل ، ليست هذه محطتي ، لكنني سأنزل ، وليذهب العمل إلى الجحيم اليوم ...
فعلاً توجهتْ ناحية الباب ، فقمت أنا أيضاً متوجهاً ناحية الباب ، ولكن الزحام على الباب كان على أشده ، فخفت أن تختفي مني في الزحام ،ولا ألقاها ،وتضيع المرأة الحلم ، فرحت أدفع من أمامي بالقوة حتى تذمر مني ذلك الرجل الذي دفعته ، فشتمني ببعض الألفاظ مما اضطررت للرد عليه بألفاظ أقذع منها ،فاشتبكنا بالأيدي بعد النزول مباشرة ،أصابني وأصابته ببعض الخدوش في وجهي ووجهه ، ولولا أن الشرطي وبعض الناس منعونا من التمادي في الاشتباك ، لكان لنا أمر آخر ، وبعد أن فض الاشتباك وذهب لحاله ، جلست على أحد الكراسي في المحطة لالتقاط أنفاسي ، وتعديل هندامي من جديد، فها هي لابد أنها ذهبت ، ولم يعد من جدوى للبحث عنها ، لابد أنها ضاعت في الزحام ،كالعديد من الفرص التي ضاعت عليّ أو أضعتها ، وبينما أنا أخرج منديلاً لمسح بعض الدم من خدش في وجهي، إذ بيد تتجه نحوي وتعطيني منديلاً ،وإذا بي أرفع بصري ، فهالني أنه لم يعد بيننا ذلك الحاجز الزجاجي .