بين ذاكرتين
ـــــــــــ
أفاق من الغيبوبة ، لايعرف أحداً ، حاول تذكر أي
شيء لم يستطع ، حاول أن يتذكر سبب وجوده في تلك المستشفي ، وضع يده على رأسه
ضاغطاً عليها ،لم يستطيع أن يعود للخلف ولو ساعة واحدة ، كأنه ولد في تلك اللحظة
التي فتح فيها عينيه في تلك المستشفي الفخمة ، راح يسأل نفسه : هل أنا غني أم فقير
؟ من ملامح تلك الحجرة يبدو أنني غني أو ربما هناك ما أجهله ، ثم قال لنفسه : أتقول
هناك ما تجهله ؟ إنك تجهل كل شيء ...
إنني لا أعرفني ... يا ترى من أكون ؟
دخلت عليه الممرضة مبتسمة ثم قالت له : ألف سلامة
عليك.
رد عليها كمن يود أن يستعطفها لتجيب عن تلك
الأسئلة التي كانت وما زالت تعشش في هواجسه منذ أفاق
ـ الله يسلمك ...ممكن أسألك سؤالا ؟
ـ تحت أمرك.
ثم تراجع إذ كيف يسألها من أكون ، أحس بالخجل ،
لاحظت الممرضة ذلك فقالت له مشجعة :
ـ على العموم ، أنا هنا في خدمتك ،وأي طلب أنا
تحت أمرك.
وبعد فترة دخل عليه طبيب ،نظر له نظرة غريبة ،
نظرة كلها حقد ، ورغبة في الانتقام ثم هجم عليه ، وحاول القضاء عليه خنقاً ، فراح
يصرخ ،ويصرخ ،ويدفعه بقوة ، لقد ظن ذلك الذي أرتدى ملابس الطبيب أنه ما زال في
الغيبوبة ، ويسهل القضاء عليه ،ولكنه كان قد أفاف منذ ساعة أو أكثر ، وأصبح يمتلك
بعض القوة ، والقدرة على الصراخ والضغط على رز الاستغاثة ، فلم يضيع الطبيب
المزعوم وقتاً وضربه بسكين في يده الممسكة به ، وفر هارباً في وقار .
دخل عليه الأمن وبعض الأطباء ، وحاولوا أن
يدخلوا عليه بعض الطمأنينة ، وتضميد يده ، وطلبوا منه أن يصف ذلك الذي دخل عليه ،
ولكنه لم يسمع إلا القليل من كلامهم ، ثم فقد الوعي مرة أخرى ، راحوا يحاولون
إعادة الوعي له مرة أخرى ، ووعلقوا له المحاليل التي تغذي تلك العودة.
كان من السهل أن يفيق للمرة الثانية ، ولم تضيع
ذاكرته ذلك المشهد الذي حدث منذ قليل ، ولكنه حاول البحث في ذاكرته البعيدة عن
ملامح ذلك الرجل الذي حاول قتله ، وهل هو رجل يعرفه أم هو رجل مأجور من آخرين؟
ذاكرته البعيدة أصبحت معطلة تماماً ، ولا يستطيع
أن ينقذ من بحرها أي سفينة تعود له ولو ببعض الذكريات عن نفسه ، وعما فعله في
الفترة الماضية من حياته.
راح يسأل نفسه:
هل أنا طيب أم شرير ؟ وإن كنت طيباً فلماذا جاء
هذا الرجل ليقتلني ؟! وإن كنت شريراً فكيف سأعيش فيما بعد وأنا لا أعرف أعدائي من
أحبائي ؟؟
لابد أن أعرف ولو شيء قليل عن نفسي ، وفي الصباح
دخلت عليه سيدة جميله أنيقة يبدو عليها أنها من علية القوم ؟ بعد أن أخبروه أنه
فقد الذاكرة، فسألها مستغرباً:
ـ من أنت ؟؟
فضحت ضحكة عالية ، لم يتصور أن تفعلها ، ثم راحت
تخرج الكلمات بشهوة التشفي الجارفة
ـ أنا من عذبتها ، وأريتني معك الذل بكل ألوانه.
فتعجب
ـ أنا أنا.
ـ نعم أنت
ـ لماذا ؟
ـ لن أقول لك ، لن أعطيك أي معلومة عن نفسك حتى
تظل تائهاً.
ثم رن تليفونها المحمول ، فخرجت تجرى المكالمة
كي لا يعرف شيئاً ، أو يلتقط أي معلومة منها ، وهنا دخلت الممرضة ، فلم يخجل أن
يسألها هذه المرة ، وكانت قد علمت من الأطباء ليلة أمس أنه فقد الذاكرة ، وقد تعود
أو لا تعود ؟
ـ من أكون ؟
ـ حضرتك من أبرز رجال الأعمال في البلد .
ومن هذه التي كانت هنا.
ـ هذه زوجتك ؟
ـ زوجتي !!!
ـ هل أنا شرير ، أو يعني هل أنا رجل محبوب .
فردت عليه الممرضة من خلال ما ترى من أعمال
الخير التي يصوره له التلفزيون
ـ حضرتك صاحب مشاريع خيرية كثيرة ، ومحبوب من كل
الناس.
فسالها مستغرباً
ـ إذن لماذا جاء الذي جاء كي يقتلني ؟!
فردت عليه الممرضة محاولة أن تبث فيه الثقة .
ـ كل إنسان ناجح له أعداء.
فقال في نفسه :
ما أسوأ أن يكون لك عدو إلى درجة أن يقتلك.
لم يقتنع بكلام الممرضة ، لأن زوجته أيضاً تكره
، يبدو أن ذاكرته الجديدة سوف تحمل ميراثاً رهيباً من الكراهية ،ولكنه عاهد نفسه ،
وقال لضميره الجديد : لابد أن أسعى لدى كل من ظلمتهم ، وأرجع لهم حقوقهم ،و أخبرهم
أن إنساني الجديد يطلب منهم المسامحة ، أو يعاملوني كمن ولدت اليوم ، فهل سوف
يقبلون ؟؟
وهنا دخلت عليه زوجته ، وطلبت من الأطباء أن
يسمحوا له بالخروج ، فسمحوا لها بالخروج به ، فقررت أن تحبسه في الفيلا الخاصة
بهما ، وألا يرى أحد ،وأن تدير هي كل شيء.
وفي الطريق بينما تتخطي إحدى السيارات اصطدمت
بسيارة أخرى لم تكن الصدمة بالقوية ، ولا تركت أثراً كبيراً في السيارة ،ولكنها
كانت كفيلة بعودة الذاكرة له ، بعد عمل الناس على إفاقته ، لكن ذاكرته فقدت تلك
الفترة التي قضاها في المستشفى، فنظر لها نظرة حقد وظن أنها كانت تريد أن تقتله ،
فتركها وحدها على الطريق ، وانطلق ناحية الفيلا ، كي يحضر مسدسه.