الجمعة، 21 فبراير 2014

بين ذاكرتين ... قصة بقلم : ياسر الششتاوي



بين ذاكرتين
ـــــــــــ
أفاق من الغيبوبة ، لايعرف أحداً ، حاول تذكر أي شيء لم يستطع ، حاول أن يتذكر سبب وجوده في تلك المستشفي ، وضع يده على رأسه ضاغطاً عليها ،لم يستطيع أن يعود للخلف ولو ساعة واحدة ، كأنه ولد في تلك اللحظة التي فتح فيها عينيه في تلك المستشفي الفخمة ، راح يسأل نفسه : هل أنا غني أم فقير ؟ من ملامح تلك الحجرة يبدو أنني غني أو ربما هناك ما أجهله ، ثم قال لنفسه : أتقول هناك ما تجهله ؟ إنك تجهل كل شيء ...
إنني لا أعرفني ... يا ترى من أكون ؟
دخلت عليه الممرضة مبتسمة ثم قالت له : ألف سلامة عليك.
رد عليها كمن يود أن يستعطفها لتجيب عن تلك الأسئلة التي كانت وما زالت تعشش في هواجسه منذ أفاق
ـ الله يسلمك ...ممكن أسألك سؤالا ؟
ـ تحت أمرك.
ثم تراجع إذ كيف يسألها من أكون ، أحس بالخجل ، لاحظت الممرضة ذلك فقالت له مشجعة :
ـ على العموم ، أنا هنا في خدمتك ،وأي طلب أنا تحت أمرك.
وبعد فترة دخل عليه طبيب ،نظر له نظرة غريبة ، نظرة كلها حقد ، ورغبة في الانتقام ثم هجم عليه ، وحاول القضاء عليه خنقاً ، فراح يصرخ ،ويصرخ ،ويدفعه بقوة ، لقد ظن ذلك الذي أرتدى ملابس الطبيب أنه ما زال في الغيبوبة ، ويسهل القضاء عليه ،ولكنه كان قد أفاف منذ ساعة أو أكثر ، وأصبح يمتلك بعض القوة ، والقدرة على الصراخ والضغط على رز الاستغاثة ، فلم يضيع الطبيب المزعوم وقتاً وضربه بسكين في يده الممسكة به ، وفر هارباً في وقار .
دخل عليه الأمن وبعض الأطباء ، وحاولوا أن يدخلوا عليه بعض الطمأنينة ، وتضميد يده ، وطلبوا منه أن يصف ذلك الذي دخل عليه ، ولكنه لم يسمع إلا القليل من كلامهم ، ثم فقد الوعي مرة أخرى ، راحوا يحاولون إعادة الوعي له مرة أخرى ، ووعلقوا له المحاليل التي تغذي تلك العودة.
كان من السهل أن يفيق للمرة الثانية ، ولم تضيع ذاكرته ذلك المشهد الذي حدث منذ قليل ، ولكنه حاول البحث في ذاكرته البعيدة عن ملامح ذلك الرجل الذي حاول قتله ، وهل هو رجل يعرفه أم هو رجل مأجور من آخرين؟
ذاكرته البعيدة أصبحت معطلة تماماً ، ولا يستطيع أن ينقذ من بحرها أي سفينة تعود له ولو ببعض الذكريات عن نفسه ، وعما فعله في الفترة الماضية من حياته.
راح يسأل نفسه:
هل أنا طيب أم شرير ؟ وإن كنت طيباً فلماذا جاء هذا الرجل ليقتلني ؟! وإن كنت شريراً فكيف سأعيش فيما بعد وأنا لا أعرف أعدائي من أحبائي ؟؟
لابد أن أعرف ولو شيء قليل عن نفسي ، وفي الصباح دخلت عليه سيدة جميله أنيقة يبدو عليها أنها من علية القوم ؟ بعد أن أخبروه أنه فقد الذاكرة، فسألها مستغرباً:
ـ من أنت ؟؟
فضحت ضحكة عالية ، لم يتصور أن تفعلها ، ثم راحت تخرج الكلمات بشهوة التشفي الجارفة
ـ أنا من عذبتها ، وأريتني معك الذل بكل ألوانه.
فتعجب
ـ أنا أنا.
ـ نعم أنت
ـ لماذا ؟
ـ لن أقول لك ، لن أعطيك أي معلومة عن نفسك حتى تظل تائهاً.
ثم رن تليفونها المحمول ، فخرجت تجرى المكالمة كي لا يعرف شيئاً ، أو يلتقط أي معلومة منها ، وهنا دخلت الممرضة ، فلم يخجل أن يسألها هذه المرة ، وكانت قد علمت من الأطباء ليلة أمس أنه فقد الذاكرة ، وقد تعود أو لا تعود ؟
ـ من أكون ؟
ـ حضرتك من أبرز رجال الأعمال في البلد .
ومن هذه التي كانت هنا.
ـ هذه زوجتك ؟
ـ زوجتي !!!
ـ هل أنا شرير ، أو يعني هل أنا رجل محبوب .
فردت عليه الممرضة من خلال ما ترى من أعمال الخير التي يصوره له التلفزيون
ـ حضرتك صاحب مشاريع خيرية كثيرة ، ومحبوب من كل الناس.
فسالها مستغرباً
ـ إذن لماذا جاء الذي جاء كي يقتلني ؟!
فردت عليه الممرضة محاولة أن تبث فيه الثقة .
ـ كل إنسان ناجح له أعداء.
فقال في نفسه :
ما أسوأ أن يكون لك عدو إلى درجة أن يقتلك.
لم يقتنع بكلام الممرضة ، لأن زوجته أيضاً تكره ، يبدو أن ذاكرته الجديدة سوف تحمل ميراثاً رهيباً من الكراهية ،ولكنه عاهد نفسه ، وقال لضميره الجديد : لابد أن أسعى لدى كل من ظلمتهم ، وأرجع لهم حقوقهم ،و أخبرهم أن إنساني الجديد يطلب منهم المسامحة ، أو يعاملوني كمن ولدت اليوم ، فهل سوف يقبلون ؟؟
وهنا دخلت عليه زوجته ، وطلبت من الأطباء أن يسمحوا له بالخروج ، فسمحوا لها بالخروج به ، فقررت أن تحبسه في الفيلا الخاصة بهما ، وألا يرى أحد ،وأن تدير هي كل شيء.
وفي الطريق بينما تتخطي إحدى السيارات اصطدمت بسيارة أخرى لم تكن الصدمة بالقوية ، ولا تركت أثراً كبيراً في السيارة ،ولكنها كانت كفيلة بعودة الذاكرة له ، بعد عمل الناس على إفاقته ، لكن ذاكرته فقدت تلك الفترة التي قضاها في المستشفى، فنظر لها نظرة حقد وظن أنها كانت تريد أن تقتله ، فتركها وحدها على الطريق ، وانطلق ناحية الفيلا ، كي يحضر مسدسه.

 





الجمعة، 14 فبراير 2014

الحمار يحلم ... قصة بقلم : ياسر الششتاوي



الحمار يحلم ... يحلم أن يتحرر من قيده ، أن يصبح حراً ، أن ينطلق ويمشي كما يشاء ، ربما لو أصبح حراً ، لاحترمه الناس ، وغيروا فكرته عن غبائه ، إن الحرية ترفع من منزلة أي كائن .
حاول كثيراً ، أن يفك حبله ، ولكن محاولاته ،كان يأكلها الفشل ، فأسعار الحمير في ازدياد ، وصاحبه لدغ قبل ذلك ، فلقد كان لديه حمار ، ولم يهتم بربطه ، ففر هارباً ، ويبدو أن أحداً أخذه ،وباعه ، ولذلك يقول صاحب الحمار كلما يربطه ( لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين )
يسأل الحمار نفسه : هل سأظل هكذا حتى نهاية عمري في تعب ومشقة ؟ أحمل هذا ،وأحمل ذاك ، وأضرب من هذا وأضرب من تلك ؟؟ ومع ذلك لاألقي التقدير من بني البشر ، بل يشتمونني ويشابهون أسوأ الناس بي رغم ما أفعله من أجلهم ، أيها الإنسان كم أنت حجود ، ولا تعترف بالفضل !!
وفي أحد الأيام ماتت أخت صاحب الحمار ، فراح مسرعاً إلى قريتها ، وأخذ الحمار إلى الحقل ابن صاحب الحمار ، وراح كي يحضر البرسيم عليه للبهائم ، فاستغل الحمار تلك الفرصة أحسن استغلال ، فقد رأي الولد يربطه ، ففرح أشد الفرح بما فعله ، فقد علم أنه يستطيع أن يفك الحبل بسهولة ، وبعد أن انهمك الولد في حش البرسيم ، راح الحمار يقضم الحبل ، ويقضم ، والولد يحش ،ويحش
نجح الحمار في فك الحبل وقضمه ، وانطلق مسرعاً ، رافعاً رقبته إلى أعلى ، والنهيق تلو النهيق يعلن أنه نال حريته أخيراً ، ترك الولد الصغير حش البرسيم ، وراح يجري وراء الحمار ، فلم يلحق به ـ فما هو في قوته ولا في سرعته ـ حتى غاب عن الأنظار ، فجلس الولد الصغير باكياً ،وذهب إلى أمه التي وبخته كثيراً على عدم يقظته ، فأجابه الصغير : ألم يضع أبي حماراً قبل ذلك ؟ لماذا تلومني كل هذا اللوم.
وعندما جاء أبوه بعد أن دفن أخته ، وعلم بالخبر لم يكتف باللوم فقط ، بل راح ينهال على ابنه بالضرب ، لولا أن أمه منعت أباه من التمادي في الضرب، وإن نالها بعض الأذى واللكمات بفعل انفعاله.
ولكن بعد فترة من الوقت طيب خاطر الصغير وأمه ، وقبّل ابنه ، ومسح على رأسه ، فقام الولد بفتح حصالته ،وأخرج ما فيها كي يشتري أبوه حماراً ثالثاً ، وبرغم الغم الذي فيه الأب ، ابتسم لابنه ، وقال له :
ـ حصالتك هذا وما فيها لا تشتري رجل حمار
فرد الصغير ببراءة
ـ خذ حق الرجل ، إلى أن ادخر ثمن الباقي
فضحك الأب وقهقهه هذه المرة ، وزاد إعجابه بابنه ، فقبله مرة أخرى ، واسترخص ثمن الحمار بجوار هذا الشعور النبيل من ابنه.
وفي الصباح أخذ الأب سيارة نصف نقل ،ووضع عليها مكبر صوت ، وراح يدور في القرى يعلن عن حماره الضائع ، لعله يكون قد وقع في يد ناس أولاد حلال ، فيرجعون له الحمار ، كما فعل مع حماره الأول ،ولكن حماره الأول لم يجده بعد أتعب مكبرات الصوت ، فأيقن أنه وقع في يد ناس لا ضمير لهم ، قد باعوه ، أو أخذوه للعمل عندهم ظلماً وبهتاناً ، أما مع ضياع الحمار الثاني فقد تجدد الأمل في داخله مرة أخري أن يجده ، وإلا فمن سوف يحمل عنهم البرسيم ، ويأتي بالمحصول ، ويحمل عنهم الأثقال؟!!
ظل الحمار يجري ،ويجري وهو سعيد بحريته ، وقرر ألا يكون ملكاً لأي إنسان بعد ذلك ، وألا يرجع لصاحبه مهما يكن إلى أن وصل إلى قرية بعيدة ، فجاع ،بعدما أنهكه التعب ، فأكل ،وأكل ثم نام بجوار البرسيم الذي قضى عليه ، وعندما جاء صاحب البرسيم المأكول ، لم يجد برسيمه ، ووجد الحمار في سابع نومة ، فعرف أنه هو من فعلها ، فأحضر حبلاً ،وربطه من قدمه ، فاستيقظ الحمار ،وحاول الهرب وكان مع الرجل عصاه ، فضربه عدة ضربات لم يذقها من قبل ، فوقف الحمار ساكناً لا يتحرك .
راح الحمار يبكي ويبكي ، وأحس أن البشر لن يتركوه في حاله ،وأنه من الصعب إن ينال الحمار حريته ،وبما أن كل الحمير مطيعة ، فلماذا يتمرد هو ؟ ولماذا ...؟ ولماذا...؟
أخذه الرجل ،وراح يحمل عليه من كل ثقيل ، ما لم يحلم بحمله ، وأحس الحمار أن ظهره سوف ينقسم إلى نصفين ،وأنه لو ظل عند هذا الرجل سوف يموت وهو في عز شبابه ، فندم على صاحبه الذي تركه ، وأحس للحظات أنه خائن ، ولكنه راجع نفسه في هذا الشعور ، وتغلب عليه ، وعاد إليه شعوره بأن ما فعله كان صواباً ،وأن هذا الرجل الذي يحمله ما طاقة له به ،لا بد أن يجهز له رفسة مميتة ؛ كي يهرب منه .
ولكن ذلك لم يحدث ، فصاحبه لم يمل من البحث عنه ، وما أن سمع الرجل الذي أمسك بالحمار مكبر الصوت في قريته ، يعلن عن حمار ضائع ، وسمع أوصافه من المكبر ، حمار ذكر ،أبيض ، شباب ، وإذ بالرجل يرسل ابنه الصغير ناحية السيارة التي تحمل المكبر ، وهناك تحدث مع صاحب الحمار ،وأخبره أن حماره لديهم ، ففرح الرجل جداً ،وتوجه ناحيه بيت الرجل ، وشكره كثيراً ، ووضعوا الحمار في السيارة النصف نقل ،وربطوه جيداً ، وعاد به صاحبه ، فقال الحمار في نفسه ، وهو يودع الرجل الذي كان ينوي أن يرفسه ، نجوت منها ، ولكن لن ينجو صاحبي.
 





الجمعة، 7 فبراير 2014

صديقان ... قصة بقلم : ياسر الششتاوي



صديقان
صديقه يحب الثرثرة ، والحديث عن خصوصياته ، وخاصة ما يتعلق بعلاقته الجنسية بينه وبين زوجته ، ويرى ذلك شيئاً محبباً إلى نفسه ،وكثيراً ما يتباهى بفحولته الجنسية ، أما هو فلا يبوح له أبداً بأشياء كهذه ، وكم نصحه كثيراً بألا يتحدث في مثل هذه الأمور معه ، أو مع غيره ،ولكنه مازال مصراً .
وفي يوم من الأيام جاء وفي وجهه بعض الحزن ،وليست هذه عادته ، فهو يحب التهريج ،وإلقاء النكات ، ولا تخلو نكاته طبعاً من النكات الجنسية .
لاحظ صديقه ذلك ، فسأله عن السر في هذا التغير ، ربما قد يكون أصيب بشيء أو وقع في مأزق ،ولكنه أكد له أنه بخير ، فسأله مرة أخرى ، عن سر التعاسة التي يبدو على وجهه ، فحكى له عن ابن خاله ، الذي وصل الخمسين ، وأصيب بمرض ، فمنع عضوه الذكري من الانتصاب؛ فلم تطق زوجته ذلك ، رغم أنها في مثل سنه ، وتزوجا عن قصة حب عنيفة منذ أيام الجامعة ، ومع ذلك تركته ، لأنه لم يعد قادراً على إشباع عطشها الجنسي ، فهل يمكن أن يحدث هذا معي ، هل يمكن أن أكون مخدوعاً في زوجتي أنا أيضاً ،مثلما كان ابن خالي مخدوعاً في زوجته ، فضحك صديقه ، ثم ضحك ... فنظر إليه كمن يعاتبه على ضحكه ، ويلومه على عدم تقدير ما يعانيه ، فأدرك صديقه ذلك من عينيه ، فرد عليه محاولاً إثنائه عن أفكاره التي تلعب برأسه : أولاً هي لم تفعل شيئاً يحرمه الله ، وكل إنسان أدري بظروفه ، أيهما أفضل من وجهة نظرك ، أن تظل زوجته وتخونه ، أم يطلقها ، ويظل محتفظاً بشرفه وكرامته.
فرد عليه كمن لايريد أن يرد : الثانية أفضل طبعاً ، ولكن مايؤثر فيّ أنهما كانا يحبان بعضهما حباً جماً أشبه بالجنون ،فكيف تتخلى عنه بهذ السهولة ؟!
فعقب صديقه على كلامه محاولاً فض تعجبه.
ـ يبدو أنك سوف تتعبني هذا اليوم بأسئلتك ، لتعلم يا صديقي أن البعض يتخذ الحب معبراً لرغباته ، وقد يصدّق أنه يحب غيره ، والحقيقة أنه يحب رغباته أكثر مما يحب الشخص ، وما الشخص إلا تجسيد لرغباته ، فيحبه ، وعندما لايلبي هذا الشخص رغباته ، ينطفئ الحب ، وتتغير المعاملة.
أخذ آخر كلمتين من فم صديقه ،وراح يرددهما : تتغير المعاملة ، تتغير المعاملة.
تعجب منه صديقه سائلاً : لماذا تردد هاتين الكلمتين اللتين قلتهما.
ـ وجدت في كلامك ما ينطبق على واقعي.
ـ كيف ؟؟
فراح يسرد عليه
ـ عندما أضاجع زوجتي ، تصبح رقيقة حانية ، وأسمع منها أحلى كلام ، وتكون ست بيت على ما يرام ، ويستمر هذا الأق الزوجيّ يوم أو يومين ، وعندما أغيب عنها ، ولا ألمسها لفترة ، تجد صوتها يعلو ، وتضرب في الأطفال ، وقد لا تلبي لي بعض الأمور.
أراد صديق أن يقول له أن هذا ما يحدث معه أيضاً ، فزوجته كزوجته ، ولكنه اعتاد ألا يبوح بسره ، فقال له كلاما عاماً.
ـ كل النساء هكذا .
ـ لا ليس كل النساء هكذا ، فلقد مات أبي ونحن صغار ، وترملت أمي علينا وهي في عز شبابها ، ولم يستطع أحد أن يلمس طرف ثوبها بكلمة .
نظر إلى صديقه المنفعل في كلامه عن والدته قائلاً :
ـ إذن ماذا تريد أن أقول لك لقد حيرتني ؟
أرخى رأسه إلى أسفل قليلاً.
ـ أخاف أن تغدو زوجتي مثل زوجة ابن خالي.
فضحك صديق مقدماً على التعليق الذي سيلقيه عليه.
ـ وهل أنت ستصبح مثل ابن خالك ؟ ربما هي وراثة في عائلتكم.
فابتسم لتعليقه ، ولكنه عزم على أن يختبر زوجته في هذا الشأن.