الجمعة، 14 فبراير 2014

الحمار يحلم ... قصة بقلم : ياسر الششتاوي



الحمار يحلم ... يحلم أن يتحرر من قيده ، أن يصبح حراً ، أن ينطلق ويمشي كما يشاء ، ربما لو أصبح حراً ، لاحترمه الناس ، وغيروا فكرته عن غبائه ، إن الحرية ترفع من منزلة أي كائن .
حاول كثيراً ، أن يفك حبله ، ولكن محاولاته ،كان يأكلها الفشل ، فأسعار الحمير في ازدياد ، وصاحبه لدغ قبل ذلك ، فلقد كان لديه حمار ، ولم يهتم بربطه ، ففر هارباً ، ويبدو أن أحداً أخذه ،وباعه ، ولذلك يقول صاحب الحمار كلما يربطه ( لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين )
يسأل الحمار نفسه : هل سأظل هكذا حتى نهاية عمري في تعب ومشقة ؟ أحمل هذا ،وأحمل ذاك ، وأضرب من هذا وأضرب من تلك ؟؟ ومع ذلك لاألقي التقدير من بني البشر ، بل يشتمونني ويشابهون أسوأ الناس بي رغم ما أفعله من أجلهم ، أيها الإنسان كم أنت حجود ، ولا تعترف بالفضل !!
وفي أحد الأيام ماتت أخت صاحب الحمار ، فراح مسرعاً إلى قريتها ، وأخذ الحمار إلى الحقل ابن صاحب الحمار ، وراح كي يحضر البرسيم عليه للبهائم ، فاستغل الحمار تلك الفرصة أحسن استغلال ، فقد رأي الولد يربطه ، ففرح أشد الفرح بما فعله ، فقد علم أنه يستطيع أن يفك الحبل بسهولة ، وبعد أن انهمك الولد في حش البرسيم ، راح الحمار يقضم الحبل ، ويقضم ، والولد يحش ،ويحش
نجح الحمار في فك الحبل وقضمه ، وانطلق مسرعاً ، رافعاً رقبته إلى أعلى ، والنهيق تلو النهيق يعلن أنه نال حريته أخيراً ، ترك الولد الصغير حش البرسيم ، وراح يجري وراء الحمار ، فلم يلحق به ـ فما هو في قوته ولا في سرعته ـ حتى غاب عن الأنظار ، فجلس الولد الصغير باكياً ،وذهب إلى أمه التي وبخته كثيراً على عدم يقظته ، فأجابه الصغير : ألم يضع أبي حماراً قبل ذلك ؟ لماذا تلومني كل هذا اللوم.
وعندما جاء أبوه بعد أن دفن أخته ، وعلم بالخبر لم يكتف باللوم فقط ، بل راح ينهال على ابنه بالضرب ، لولا أن أمه منعت أباه من التمادي في الضرب، وإن نالها بعض الأذى واللكمات بفعل انفعاله.
ولكن بعد فترة من الوقت طيب خاطر الصغير وأمه ، وقبّل ابنه ، ومسح على رأسه ، فقام الولد بفتح حصالته ،وأخرج ما فيها كي يشتري أبوه حماراً ثالثاً ، وبرغم الغم الذي فيه الأب ، ابتسم لابنه ، وقال له :
ـ حصالتك هذا وما فيها لا تشتري رجل حمار
فرد الصغير ببراءة
ـ خذ حق الرجل ، إلى أن ادخر ثمن الباقي
فضحك الأب وقهقهه هذه المرة ، وزاد إعجابه بابنه ، فقبله مرة أخرى ، واسترخص ثمن الحمار بجوار هذا الشعور النبيل من ابنه.
وفي الصباح أخذ الأب سيارة نصف نقل ،ووضع عليها مكبر صوت ، وراح يدور في القرى يعلن عن حماره الضائع ، لعله يكون قد وقع في يد ناس أولاد حلال ، فيرجعون له الحمار ، كما فعل مع حماره الأول ،ولكن حماره الأول لم يجده بعد أتعب مكبرات الصوت ، فأيقن أنه وقع في يد ناس لا ضمير لهم ، قد باعوه ، أو أخذوه للعمل عندهم ظلماً وبهتاناً ، أما مع ضياع الحمار الثاني فقد تجدد الأمل في داخله مرة أخري أن يجده ، وإلا فمن سوف يحمل عنهم البرسيم ، ويأتي بالمحصول ، ويحمل عنهم الأثقال؟!!
ظل الحمار يجري ،ويجري وهو سعيد بحريته ، وقرر ألا يكون ملكاً لأي إنسان بعد ذلك ، وألا يرجع لصاحبه مهما يكن إلى أن وصل إلى قرية بعيدة ، فجاع ،بعدما أنهكه التعب ، فأكل ،وأكل ثم نام بجوار البرسيم الذي قضى عليه ، وعندما جاء صاحب البرسيم المأكول ، لم يجد برسيمه ، ووجد الحمار في سابع نومة ، فعرف أنه هو من فعلها ، فأحضر حبلاً ،وربطه من قدمه ، فاستيقظ الحمار ،وحاول الهرب وكان مع الرجل عصاه ، فضربه عدة ضربات لم يذقها من قبل ، فوقف الحمار ساكناً لا يتحرك .
راح الحمار يبكي ويبكي ، وأحس أن البشر لن يتركوه في حاله ،وأنه من الصعب إن ينال الحمار حريته ،وبما أن كل الحمير مطيعة ، فلماذا يتمرد هو ؟ ولماذا ...؟ ولماذا...؟
أخذه الرجل ،وراح يحمل عليه من كل ثقيل ، ما لم يحلم بحمله ، وأحس الحمار أن ظهره سوف ينقسم إلى نصفين ،وأنه لو ظل عند هذا الرجل سوف يموت وهو في عز شبابه ، فندم على صاحبه الذي تركه ، وأحس للحظات أنه خائن ، ولكنه راجع نفسه في هذا الشعور ، وتغلب عليه ، وعاد إليه شعوره بأن ما فعله كان صواباً ،وأن هذا الرجل الذي يحمله ما طاقة له به ،لا بد أن يجهز له رفسة مميتة ؛ كي يهرب منه .
ولكن ذلك لم يحدث ، فصاحبه لم يمل من البحث عنه ، وما أن سمع الرجل الذي أمسك بالحمار مكبر الصوت في قريته ، يعلن عن حمار ضائع ، وسمع أوصافه من المكبر ، حمار ذكر ،أبيض ، شباب ، وإذ بالرجل يرسل ابنه الصغير ناحية السيارة التي تحمل المكبر ، وهناك تحدث مع صاحب الحمار ،وأخبره أن حماره لديهم ، ففرح الرجل جداً ،وتوجه ناحيه بيت الرجل ، وشكره كثيراً ، ووضعوا الحمار في السيارة النصف نقل ،وربطوه جيداً ، وعاد به صاحبه ، فقال الحمار في نفسه ، وهو يودع الرجل الذي كان ينوي أن يرفسه ، نجوت منها ، ولكن لن ينجو صاحبي.
 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق