الحمار يحلم ... يحلم أن يتحرر من قيده ، أن
يصبح حراً ، أن ينطلق ويمشي كما يشاء ، ربما لو أصبح حراً ، لاحترمه الناس ،
وغيروا فكرته عن غبائه ، إن الحرية ترفع من منزلة أي كائن .
حاول كثيراً ، أن يفك حبله ، ولكن محاولاته ،كان
يأكلها الفشل ، فأسعار الحمير في ازدياد ، وصاحبه لدغ قبل ذلك ، فلقد كان لديه
حمار ، ولم يهتم بربطه ، ففر هارباً ، ويبدو أن أحداً أخذه ،وباعه ، ولذلك يقول
صاحب الحمار كلما يربطه ( لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين )
يسأل الحمار نفسه : هل سأظل هكذا حتى نهاية عمري
في تعب ومشقة ؟ أحمل هذا ،وأحمل ذاك ، وأضرب من هذا وأضرب من تلك ؟؟ ومع ذلك
لاألقي التقدير من بني البشر ، بل يشتمونني ويشابهون أسوأ الناس بي رغم ما أفعله
من أجلهم ، أيها الإنسان كم أنت حجود ، ولا تعترف بالفضل !!
وفي أحد الأيام ماتت أخت صاحب الحمار ، فراح
مسرعاً إلى قريتها ، وأخذ الحمار إلى الحقل ابن صاحب الحمار ، وراح كي يحضر
البرسيم عليه للبهائم ، فاستغل الحمار تلك الفرصة أحسن استغلال ، فقد رأي الولد
يربطه ، ففرح أشد الفرح بما فعله ، فقد علم أنه يستطيع أن يفك الحبل بسهولة ، وبعد
أن انهمك الولد في حش البرسيم ، راح الحمار يقضم الحبل ، ويقضم ، والولد يحش ،ويحش
نجح الحمار في فك الحبل وقضمه ، وانطلق مسرعاً ،
رافعاً رقبته إلى أعلى ، والنهيق تلو النهيق يعلن أنه نال حريته أخيراً ، ترك
الولد الصغير حش البرسيم ، وراح يجري وراء الحمار ، فلم يلحق به ـ فما هو في قوته
ولا في سرعته ـ حتى غاب عن الأنظار ، فجلس الولد الصغير باكياً ،وذهب إلى أمه التي
وبخته كثيراً على عدم يقظته ، فأجابه الصغير : ألم يضع أبي حماراً قبل ذلك ؟ لماذا
تلومني كل هذا اللوم.
وعندما جاء أبوه بعد أن دفن أخته ، وعلم بالخبر
لم يكتف باللوم فقط ، بل راح ينهال على ابنه بالضرب ، لولا أن أمه منعت أباه من التمادي
في الضرب، وإن نالها بعض الأذى واللكمات بفعل انفعاله.
ولكن بعد فترة من الوقت طيب خاطر الصغير وأمه ،
وقبّل ابنه ، ومسح على رأسه ، فقام الولد بفتح حصالته ،وأخرج ما فيها كي يشتري أبوه
حماراً ثالثاً ، وبرغم الغم الذي فيه الأب ، ابتسم لابنه ، وقال له :
ـ حصالتك هذا وما فيها لا تشتري رجل حمار
فرد الصغير ببراءة
ـ خذ حق الرجل ، إلى أن ادخر ثمن الباقي
فضحك الأب وقهقهه هذه المرة ، وزاد إعجابه بابنه
، فقبله مرة أخرى ، واسترخص ثمن الحمار بجوار هذا الشعور النبيل من ابنه.
وفي الصباح أخذ الأب سيارة نصف نقل ،ووضع عليها
مكبر صوت ، وراح يدور في القرى يعلن عن حماره الضائع ، لعله يكون قد وقع في يد ناس
أولاد حلال ، فيرجعون له الحمار ، كما فعل مع حماره الأول ،ولكن حماره الأول لم
يجده بعد أتعب مكبرات الصوت ، فأيقن أنه وقع في يد ناس لا ضمير لهم ، قد باعوه ،
أو أخذوه للعمل عندهم ظلماً وبهتاناً ، أما مع ضياع الحمار الثاني فقد تجدد الأمل
في داخله مرة أخري أن يجده ، وإلا فمن سوف يحمل عنهم البرسيم ، ويأتي بالمحصول ،
ويحمل عنهم الأثقال؟!!
ظل الحمار يجري ،ويجري وهو سعيد بحريته ، وقرر
ألا يكون ملكاً لأي إنسان بعد ذلك ، وألا يرجع لصاحبه مهما يكن إلى أن وصل إلى
قرية بعيدة ، فجاع ،بعدما أنهكه التعب ، فأكل ،وأكل ثم نام بجوار البرسيم الذي قضى
عليه ، وعندما جاء صاحب البرسيم المأكول ، لم يجد برسيمه ، ووجد الحمار في سابع
نومة ، فعرف أنه هو من فعلها ، فأحضر حبلاً ،وربطه من قدمه ، فاستيقظ الحمار
،وحاول الهرب وكان مع الرجل عصاه ، فضربه عدة ضربات لم يذقها من قبل ، فوقف الحمار
ساكناً لا يتحرك .
راح الحمار يبكي ويبكي ، وأحس أن البشر لن
يتركوه في حاله ،وأنه من الصعب إن ينال الحمار حريته ،وبما أن كل الحمير مطيعة ،
فلماذا يتمرد هو ؟ ولماذا ...؟ ولماذا...؟
أخذه الرجل ،وراح يحمل عليه من كل ثقيل ، ما لم
يحلم بحمله ، وأحس الحمار أن ظهره سوف ينقسم إلى نصفين ،وأنه لو ظل عند هذا الرجل
سوف يموت وهو في عز شبابه ، فندم على صاحبه الذي تركه ، وأحس للحظات أنه خائن ،
ولكنه راجع نفسه في هذا الشعور ، وتغلب عليه ، وعاد إليه شعوره بأن ما فعله كان
صواباً ،وأن هذا الرجل الذي يحمله ما طاقة له به ،لا بد أن يجهز له رفسة مميتة ؛
كي يهرب منه .
ولكن ذلك لم يحدث ، فصاحبه لم يمل من البحث عنه
، وما أن سمع الرجل الذي أمسك بالحمار مكبر الصوت في قريته ، يعلن عن حمار ضائع ،
وسمع أوصافه من المكبر ، حمار ذكر ،أبيض ، شباب ، وإذ بالرجل يرسل ابنه الصغير
ناحية السيارة التي تحمل المكبر ، وهناك تحدث مع صاحب الحمار ،وأخبره أن حماره
لديهم ، ففرح الرجل جداً ،وتوجه ناحيه بيت الرجل ، وشكره كثيراً ، ووضعوا الحمار
في السيارة النصف نقل ،وربطوه جيداً ، وعاد به صاحبه ، فقال الحمار في نفسه ، وهو
يودع الرجل الذي كان ينوي أن يرفسه ، نجوت منها ، ولكن لن ينجو صاحبي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق